فخر الدين الرازي

530

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

نقول : إنه هو النور ، لأنه بواسطته اهتدى ، الخلق ، أو هو النور لكونه مبينا للناس ما نزل إليهم ، والمبين هو النور ، ثم الفوائد في كونه نورا وجوه منها : أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه ، وذلك لوجهين أحدهما : الوصف بالنور وثانيهما : الإضافة إلى الحضرة ، ومنها : أنه إذا كان نورا من أنوار اللَّه تعالى كان مشرقا في جميع أقطار العالم ، لأنه لا يكون مخصوصا ببعض الجوانب ، فكان رسولا إلى جميع الخلائق ، لما روي عنه صلى اللَّه عليه وسلم : « بعثت إلى الأحمر والأسود » فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمنا فهو من أمة المتابعة ، وإن كان كافرا فهو من أمة الدعوة . وقوله تعالى : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين ، وقوله : بِالْهُدى لمن أتبعه وَدِينِ الْحَقِّ قيل : الحق هو اللَّه تعالى ، أي دين اللَّه : وقيل : نعت للدين ، أي والدين هو الحق ، وقيل : الذي يحق أن يتبعه كل أحد و لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يريد الإسلام ، وقيل : ليظهره ، أي الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة ، وهاهنا مباحث : الأول : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ والتمام لا يكون إلا عند النقصان ، فكيف نقصان هذا النور ؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر ، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب ، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام ، يؤيده قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] وعن أبي هريرة : أن ذلك عند نزول عيسى من السماء ، قال مجاهد . الثاني : قال هاهنا : مُتِمُّ نُورِهِ وقال في موضع آخر : مَثَلُ نُورِهِ [ النور : 35 ] وهذا عين ذلك أو غيره ؟ نقول : هو غيره ، لأن نور اللَّه في ذلك الموضع هو اللَّه تعالى عند أهل التحقيق ، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول . الثالث : قال في الآية المتقدمة : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وقال في المتأخرة : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فما الحكمة فيه ؟ فنقول : إنهم أنكروا الرسول ، وما أنزل إليه وهو الكتاب ، وذلك من نعم اللَّه ، والكافرون كلهم في كفران النعم ، فلهذا قال : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، والمراد من الكافرين هاهنا اليهود والنصارى والمشركون ، وهنا ذكر النور وإطفاءه ، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية ، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال ، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق ، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام ، وهي اعتراض على اللَّه تعالى كما قال : ألا قل لمن ظل لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على اللَّه في فعله * كأنه لم تعرض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك ، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام ، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون ، ولما كان النور أعم من الدين والرسول ، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال ، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين . ثم قال تعالى : [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 10 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 )