فخر الدين الرازي

531

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن قوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ في معنى الأمر عند الفراء ، يقال : هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه : أن هل ، بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقوله تعالى : عَلى تِجارَةٍ هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة اللَّه تعالى ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] دل عليه تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء ، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر ، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه ، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال : بلفظ التجارة ، وكما أن التجارة في الربح والخسران ، فكذلك في هذا ، فإن من آمن وعمل صالحا فله الأجر ، والربح الوافر ، واليسار المبين ، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين ، وقوله تعالى : تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قرئ مخففا ومثقلا ، و تُؤْمِنُونَ استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فقال : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : يَغْفِرْ لَكُمْ وقوله تعالى : وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن اللذات والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده فتكون على خمسة أوجه ، وقوله تعالى : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني الذي أمرتم به من الإيمان باللَّه تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ / أي أن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم ، وفي الآية مباحث : الأول : لم قال : تُؤْمِنُونَ بلفظ الخبر ؟ نقول : للإيذان بوجوب الامتثال ، عن ابن عباس قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى لعملنا ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء اللَّه يقولون : يا ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم اللَّه عليها بقوله : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . الثاني : ما معنى : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ نقول : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم كان خيرا لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال : الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ، والخوف من اللوازم كقوله تعالى : وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 175 ] ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فنقول : يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا باللَّه وبمحمد رسول اللَّه ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله : فَزادَتْهُمْ إِيماناً [ التوبة : 124 ] ، لِيَزْدادُوا إِيماناً [ الفتح : 4 ] وهو الأمر بالثبات كقوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [ إبراهيم : 27 ] وهو الأمر بالتجدد كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 136 ] وفي قوله : صلى اللَّه عليه وآله وسلم « من جدد وقد وضوءه فكأنما جدد إيمانه » ، ومنها : أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن اللَّه ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل اللَّه ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان باللَّه ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل اللَّه خبر في نفس الأمر . ثم قال تعالى : [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 12 إلى 13 ] يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 13 )