فخر الدين الرازي

519

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كان من دعاء إبراهيم وأصحابه : رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا الآية ، أي في جميع أمورنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك ، وفي الآية مباحث : الأول : لقائل أن يقول : حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ما الفائدة في قوله : وَحْدَهُ والإيمان به وبغيره من اللوازم ، كما قال تعالى : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] فنقول : الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان باللَّه وحده ، إذ المراد من قوله : وَحْدَهُ هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره ، لا يكون إيمانا باللَّه ، إذا هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمنا . الثاني : قوله تعالى : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ استثناء من أي شيء ، هو ، نقول : من قوله : أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ، ويتخذوه سنة يستنون بها . الثالث : إن كان قوله : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من القول الذي سبق وهو : أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فما بال قوله : وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وهو غير حقيق بالاستثناء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ الفتح : 11 ] نقول : أراد اللَّه تعالى استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له ، كأنه قال : أنا استغفر لك ، وما وسعي إلا الاستغفار . الرابع : إذا قيل : بم اتصل قوله : رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا نقول : بما قبل الاستثناء ، وهو من جملة الأسوة الحسنة ، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليما للمؤمنين وتتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة ، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيها على الإنابة إلى حضرة اللَّه تعالى ، والاستعاذة به . الخامس : إذا قيل : ما الفائدة في هذا الترتيب ؟ فنقول : فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو ، والظاهر من تلك الجملة أن يقال : التوكل لأجل الإفادة ، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ الطلاق : 2 ] والتقوى الإنابة ، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور ، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا ، فكأنه ذكر الشيء ، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم للإفادة ذلك كما ينبغي ، والقراءة في بُرَآؤُا على أربعة أوجه : برآء كشركاء ، وبراء كظراف ، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال ، وبراء على الوصف بالمصدر والبراء والبراءة ، مثل الطماء والطماءة . / ثم قال تعالى : [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 5 إلى 7 ] رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 5 ) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 6 ) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 7 ) قوله : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً من دعاء إبراهيم . قال ابن عباس : لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق ، وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ، وقيل : لا تبسط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ، وقيل : قوله لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ، أي عذابا أي سببا يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم . وقوله تعالى : وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا الآية ، من جملة ما