فخر الدين الرازي

520

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مر ، فكأنه قيل : لأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدا للكلام ، فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي في إبراهيم والذين معه ، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه ، قال ابن عباس : كانوا يبغضون من خالف اللَّه ويحبون من أحب اللَّه ، وقوله تعالى : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ بدل من قوله : لَكُمْ وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف اللَّه ويخاف عذاب الآخرة ، وَمَنْ يَتَوَلَّ أي يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى مودة الكفار فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن مخالفة أعدائه الْحَمِيدُ إلى أوليائه . أما قوله : عَسَى اللَّهُ فقال مقاتل : لما أمر اللَّه تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل اللَّه تعالى قوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ أي من كفار مكة مَوَدَّةً وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم . وقيل : تزوج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أم حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة ، وكانت أم حبيبة قد أسلمت ، وهاجرت مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش إلى الحبشة ، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت ، وصبرت على دينها ، ومات زوجها ، فبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى النجاشي ، فخطبها عليه ، وساق عنه إليها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال : ذلك الفحل لا يفدغ أنفه ، / و عَسَى وعد من اللَّه تعالى : وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يريد نفراً من قريش آمنوا بعد فتح مكة ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وأبو سفيان بن الحرث ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، واللَّه تعالى قادر على تقليب القلوب ، وتغيير الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بهم إذا تابوا وأسلموا ، ورجعوا إلى حضرة اللَّه تعالى ، قال بعضهم : لا تهجروا كل الهجر ، فإن اللَّه مطلع على الخفيات والسرائر . ويروى : أحبب حبيبك هوناً ما ، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما . ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً إذا كان تأويله : لا تسلط علينا أعداءنا مثلا ، فلم ترك هذا ، وأتى بذلك ؟ فنقول : إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا ، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا وذلك ، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات . الثاني : لقائل أن يقول : ما الفائدة في قوله تعالى : وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا وقد كان الكلام مرتباً إذا قيل : لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم فنقول : إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة ، والبراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة ، إذ العاصي لو لم يكن مغفوراً كان مقهوراً بقهر العذاب ، وذلك فتنة ، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهوراً ، و الْحَمِيدُ قد يكون بمعنى الحامد ، وبمعنى المحمود ، فالمحمود أي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم ، والحامد أي يحمد الخلق ، ويشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال . ثم إنه تعالى بعد ما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال : [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 8 إلى 9 ] لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 9 )