فخر الدين الرازي

486

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الأول : أن المشرك نجس ، لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] وكل نجس خبيث بإجماع الأمة وقال تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [ البقرة : 267 ] الثاني : أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ، فكذا هاهنا ، والجامع أن الإعتاق إنعام ، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام إلى أولياء اللَّه وحرمان أعداء اللَّه ، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى حرمان أولياء اللَّه ، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلا لهذه المصلحة . المسألة السابعة : إعتاق المكاتب لا يجزئ عند الشافعي رحمه اللَّه ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة ، وإذا أعتقه بعد أن يؤدي شيئا ، فظاهر الرواية أنه لا يجزئ ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجزئ ، حجة أبي حنيفة أن المكاتب رقبة / لقوله تعالى : وَفِي الرِّقابِ * [ البقرة : 177 ] والرقبة مجزئة لقوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، حجة الشافعي أن المقتضى لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم ، بعد إعتاق المكاتب ، وما لأجله ترك العمل به في محل الرقاب غير موجود هاهنا ، فوجب أن يبقى على الأصل ، بيان المقتضي أن الأصل في الثابت البقاء على ما كان ، بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملكه ، لكنه يمكن نقصان في رقه ، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه ، ويمتنع على المولى التصرفات فيه ، ولو أتلفه المولى يضمن قيمته ، ولو وطئ مكاتبته يغرم المهر ، ومن المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشق على المالك من إزالة الملك الضعيف ، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد القن خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب ، والوجه الثاني : أجمعنا على أنه لو أعتقه الوارث بعد موته لا يجزئ عن الكفارة ، فكذا إذا أعتقه المورث والجامع كون الملك ضعيفا . المسألة الثامنة : لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بينة الكفارة عتق عليه ، لكنه لا يقع عن الكفارة عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة يقع ، حجة أبي حنيفة التمسك بظاهر الآية ، وحجة الشافعي ما تقدم . المسألة التاسعة : قال أبو حنيفة : الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام ، وعند الشافعي لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير ، حجة أبي حنيفة ظاهر القرآن وهو أن الواجب هو الإطعام ، وحقيقة الإطعام هو التمكين ، بدليل قوله تعالى : مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [ المائدة : 89 ] وذلك يتأدى بالتمكين والتمليك ، فكذا هاهنا ، وحجة الشافعي القياس على الزكاة وصدقة الفطر . المسألة العاشرة : قال الشافعي : لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات منه حنطة أو شعيرا أو أرزا أو تمرا أو أقطا ، وذلك بمد النبي صلى اللَّه عليه وسلم ولا يعتبر مد حدث بعده ، وقال أبو حنيفة : يعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير ولا يجزئه دون ذلك ، حجة الشافعي أن ظاهر الآية يقتضي الإطعام ، ومراتب الإطعام مختلفة بالملكية والكيفية ، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على الباقي ، فلا بد من حمله على أقل مالا بد منه ظاهرا ، وذلك هو المد ، حجة أبي حنيفة ما روي في حديث أوس بن الصامت : « لكل مسكين نصف صاع من بر » و عن علي وعائشة قالا : لكل مسكين مدان من بر ، ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين ، فيكون نظير صدقة الفطر ، ولا يتأدى ذلك بالمد ، بل بما قلنا ، فكذلك هنا . المسألة الحادية عشرة : لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزئ عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة يجزئ ، حجة الشافعي ظاهر الآية ، وهو أنه أوجب إطعام ستين مسكينا ، فوجب رعاية ظاهر الآية ، وحجة أبي