فخر الدين الرازي
487
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل ، وللشافعي أن يقول : التحكمات غالبة على هذه التقديرات ، فوجب الامتناع فيها من القياس ، وأيضا فلعل إدخال السرور / في قلب ستين إنسانا ، أقرب إلى رضا اللَّه تعالى من إدخال السرور في قلب الإنسان الواحد . المسألة الثانية : عشرة : قال أصحاب الشافعي : إنه تعالى قال في الرقبة : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ وقال في الصوم : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً فذكر في الأول : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ وفي الثاني : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فقالوا : من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق في الحال أما من كان مريضا في الحال ، فإنه ينتقل إلى الإطعام وإن كان مرضه بحيث يرجى زواله ، قالوا : والفرق أنه قال في الانتقال إلى الإطعام : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وهو بسبب المرض الناجز ، والعجز العاجل غير مستطيع ، وقال في الرقبة : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ والمراد فمن لم يجد رقبة أو مالا يشتري به رقبة ، ومن ماله غائب لا يسمى فاقدا للمال ، وأيضا يمكن أن يقال في الفرق إحضار المال يتعلق باختياره وأما إزالة المرض فليس باختياره . المسألة الثالثة عشرة : قال بعض أصحابنا : الشبق المفرط والغلمة الهائجة ، عذر في الانتقال إلى الإطعام ، والدليل عليه أنه عليه السلام لما أمر الأعرابي بالصوم قال له : وهل أتيت إلا من قبل الصوم فقال عليه السلام « أطعم » دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر في الانتقال من الصوم إلى الإطعام ، وأيضا الاستطاعة فوق الوسع ، والوسع فوق الطاقة ، فالاستطاعة هو أن يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة ، ومعلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة الشبق ، فهذه جملة مختصرة مما يتعلق بفقه القرآن في هذه الآية ، واللَّه أعلم . قوله تعالى : ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قال الزجاج : ذلِكُمْ للتغليظ في الكفارة تُوعَظُونَ بِهِ أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه ، وقال غيره ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ أي تؤمرون به من الكفارة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من التكفير وتركه . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 4 ] فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 4 ) ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً فدلت الآية على أن التتابع شرط ، وذكر في تحرير الرقبة والصوم أنه لا بد وأن يوجدا من قبل أن يتماسا ، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكينا ، ولم يذكر أنه لا بد من وقوعه قبل المماسة ، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع ، والمسائل الفقيهة المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه . ثم قال تعالى : ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ وفي قوله : ذلِكَ وجهان الأول : قال الزجاج : إنه في محل الرفع ، والمعنى الفرض ذلك الذي وضعناه ، الثاني : فعلنا ذلك البيان والتعليم للأحكام لتصدقوا باللَّه ورسوله في العمل بشرائعه ، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى : استدلت المعتزلة باللام في قوله : لِتُؤْمِنُوا على أن فعل اللَّه معلل بالغرض وعلى أن