فخر الدين الرازي
485
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : اختلفوا فيما يحرمه الظهار ، فللشافعي قولان : أحدهما : أنه يحرم الجماع فقط القول الثاني : وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات وهو قول أبي حنيفة رحمه اللَّه ودليله وجوه الأول : قوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فكان ذلك عاما في جميع ضروب المسيس ، من لمس بيد أو غيرها والثاني : قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم ، فكما أن مباشرة ظهر الأم ومسه يحرم عليه ، فوجب أن يكون الحال في المرأة كذلك الثالث : روى عكرمة : « أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى تكفر » . المسألة الثانية : اختلفوا فيمن ظاهر مرارا ، فقال الشافعي وأبو حنيفة : لكن ظاهر كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد ، وأراد بالتكرار التأكيد ، فإنه يكون عليه كفارة واحدة ، وقال مالك : من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة مائة فليس عليه إلا كفارة واحدة ، دليلنا أن قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ . . . فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يقتضي كون الظهار علة لإيجاب الكفارة ، فإذا وجد الظهار الثاني فقد وجدت علة وجوب الكفارة ، والظاهر الثاني إما أن يكون علة للكفارة الأولى ، أو لكفارة ثانية والأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار الأول وتكوين الكائن محال ، ولأن تأخر العلة عن الحكم محال ، فعلمنا أن الظهار الثاني يوجب كفارة / ثانية ، واحتج مالك بأن قوله : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ يتناول من ظاهر مرة واحدة ، ومن ظاهر مرارا كثيرة ، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة ، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار ، سواء كان مرة واحدة أو مرارا كثيرة والجواب : أنه تعالى قال : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [ المائدة : 89 ] فهذا يقتضي أن لا يجب في الأيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة ، ولما كان باطلا ، فكذا ما قلتموه . المسألة الثالثة : رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال : أنتن علي كظهر أمي ، للشافعي قولان : أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات ، نظرا إلى عدد اللواتي ظاهر منهن ، ودليله ما ذكرنا ، أنه ظاهر عن هذه ، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار ، وظاهر أيضا عن تلك ، فالظهار الثاني لا بد وأن يوجب كفارة أخرى . المسألة الرابعة : الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة ، فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة ، وهو قول أكثر أهل العلم ، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحاق رحمهم اللَّه ، وقال بعضهم : إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي دليلنا أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود ، فههنا فاتت صفة القبلية ، فيبقى أصل وجوب الكفارة ، وليس في الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى . المسألة الخامسة : الأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر ، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها ويجبره على التكفير ، وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع ، قال الفقهاء : ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها ، لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها . المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه اللَّه هذه الرقبة تجزئ سواء كانت مؤمنة أو كافرة ، لقوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب ، وقال الشافعي : لا بد وأن تكون مؤمنة ودليله وجهان