فخر الدين الرازي
457
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ النساء : 50 ] ، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 21 ] قال : وقد يتعدى هذا بإلى كقوله : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [ الغاشية : 17 ] وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه ، وقد يتعدى بقي ، كقوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 185 ] ، أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [ الروم : 8 ] وثالثها : أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله : ولما بدا حوران والآل دونه * نظرت فلم تنظر بعينك منظرا والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظرا تعرفه في الآل قال : إلا أن هذا على سبيل المجاز ، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبا أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال : ويجوز أن يكون قوله : نظرت فلم تنظر ، كما يقال : تكلمت وما تكلمت ، أي ما تكلمت بكلام مفيد ، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظرا مفيدا ورابعها : أن يكون النظر بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى : إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [ الأحزاب : 53 ] أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه ، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت ، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم : شويت واشتويت ، وحقرت واحتقرت ، إذا عرفت هذا فقوله : انْظُرُونا يحتمل وجهين الأول : أنظرونا ، أي انتظرونا ، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة ، والمنافقون مشاة والثاني : أنظرونا أي أنظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم ، والنور بين أيديهم فيستضيئون به ، وأما قراءة ( أنظرونا ) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال ، ومنه قوله تعالى : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * [ الحجر : 36 ] وأمر رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم بإنظار المعسر ، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم . واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة ، وقد ظهر الآن وجه صحتها . المسألة الثالثة : اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها : أن يكون الناس كلهم في الظلمات ، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ، والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها : أن تكون الناس كلهم في الأنوار ، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعا ، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار وثالثها : أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات ، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم ، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع / عند الموقف ، فالمراد من قوله : انْظُرُونا انظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم ، فقد أقبلوا عليهم ، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار ، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد من قوله : انْظُرُونا يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم . المسألة الرابعة : القبس : الشعلة من النار أو السراج ، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة ، قال الحسن : يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله ، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر ، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء ، ثم على ذلك تغشاهم