فخر الدين الرازي
458
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ظلمة فتطفئ نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ كقبس النار . المسألة الخامسة : ذكروا في المراد من قوله تعالى : قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وجوها أحدها : أن المراد منه : ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها : قال أبو أمامة : الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقال لهم : ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً قال : وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما قال : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال أبو مسلم : المراد من قول المؤمنين : ارْجِعُوا منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد القرب منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله : ارْجِعُوا أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب البتة ، لا أنه أمر لهم بالرجوع . قوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في السور ، فمنهم من قال : المراد منه الحجاب والحيلولة أي / المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون : بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف . المسألة الثانية : الباء في قوله : بِسُورٍ صلة وهو للتأكيد والتقدير : ضرب بينهم سور كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال : لَهُ بابٌ أي لذلك السور باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي في باطن ذلك السور الرحمة ، والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين وَظاهِرُهُ يعني وخارج السور مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ أي من قبله يأتيهم العذاب ، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة ، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب ، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور ، ولذلك السور باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، والكافرون يبقون في العذاب والنار . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 14 ] يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) [ في قوله تعالى يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ إلى قوله حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ ] وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدنيا والثاني : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات ، وهذا القول هو المتعين . المسألة الثانية : البعد بين الجنة والنار كثير ، لأن الجنة في أعلى السماوات ، والنار في الدرك الأسفل ، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك ، ولا يمكن أن يقال : إن اللَّه عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جدا ، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا ، ثم حكى تعالى : أن المؤمنين