فخر الدين الرازي
281
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كان الإغناء عندهم غير مستند إلى اللّه تعالى وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] ولذلك قال : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [ النجم : 49 ] لأنهم كانوا يستبعدون أن يكون رب محمد هو رب الشعرى فأكد في مواضع استبعادهم النسبة إلى اللّه تعالى الإسناد ولم يؤكده في غيره . المسألة الثانية : الذكر والأنثى اسمان هما صفة أو اسمان ليسا بصفة ؟ المشهور عند أهل اللغة الثاني والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات ، فالذكر كالحسن والعزب والأنثى كالحبلى والكبرى وإنما قلنا : إنها كالحبلى في رأي لأنها حيالها أنشئت لا كالكبرى ، وإن قلنا : إنها كالكبرى في رأي ، وإنما قلنا : إن الظاهر أنهما صفتان ، لأن الصفة ما يطلق على شيء ثبت له أمر كالعالم يطلق على شيء له علم والمتحرك يقال لشيء له حركة بخلاف الشجر والحجر ، فإن الشجر لا يقال لشيء بشرط أن يثبت له أمر بل هو اسم موضوع لشيء معين ، والذكر اسم يقال لشيء له أمر ، ولهذا يوصف به ، ولا يوصف بالشجر ، يقال جاءني شخص ذكر ، أو إنسان ذكر ، ولا يقال جسم شجر ، والذي ذهب إلى أنه اسم غير صفة إنما ذهب إليه ، لأنه لم يرد له فعل ، والصفة في الغالب له فعل كالعالم والجاهل / والعزب والكبرى والحبلى ، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه ، لأن الذكورة والأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض ، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب ، ولهذا لم يوجد للإضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل ، ووجد للإضافيات المتبدلة أفعال يقال : وأخاه وتبناه لما لم يكن مثبتا بتكلف فقبل التبدل . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 46 ] مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وقوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ أي قطعة من الماء . وقوله تعالى : إِذا تُمْنى من أمنى المني إذا نزل أو منى يمني إذا قدر وقوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ، ويخلق اللّه تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعا متباينة وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون على ما بينا ، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السماوات ، ولهذا قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] كما قال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * [ الزمر : 38 ] . ثم قال تعالى : [ سورة النجم ( 53 ) : آية 47 ] وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وهي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر ، والذي ظهر لي بعد طول التفكر والسؤال من فضل اللّه تعالى الهداية فيه إلى الحق ، أنه يحتمل أن يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه ، وذلك لأن النفس الشريفة لا الأمارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة ، وبها كرم اللّه بني آدم ، وإليه الإشارة في قوله تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] غير خلق النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، وبهذا الخلق الآخر تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات ، وشارك الملك في الإدراكات فكما قال هنالك : أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ بعد خلق النطفة قال هاهنا : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى فجعل نفخ الروح نشأة أخرى كما جعله هنالك إنشاء آخر ، والذي أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ]