فخر الدين الرازي

426

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر ، وأكثر من أن ينكر ، فيقول : لا أقسم ولا يريد به القسم ونفيه ، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة ، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به ، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يمينا بل ألف يمين ، ولا أقسم برأس الأمير بل برأس السلطان ويقول : لا أقسم بكذا مريدا لكونه في غاية الجزم والثاني : يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو اللَّه تعالى أو صفة من صفاته ، وإنما جاءت أمور مخلوقة والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء كما في قوله : وَالصَّافَّاتِ [ الصافات : 1 ] المراد منه رب الصافات ورب القيامة ورب الشمس إلى غير ذلك فإذا قوله : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه ، وأن يتطرق الشك إليه . المسألة الرابعة : مواقع النجوم ما هي ؟ فنقول : فيه وجوه الأول : المشارق والمغارب أو المغارب وحدها ، فإن عندها سقوط النجوم الثاني : هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها الثالث : مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة الرابع : مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم ، وأما مواقع نجوم القرآن ، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين ، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها . المسألة الخامسة : هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة ؟ قلنا : نعم فائدة جليلة ، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل ، وقد بيناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وغيرها ، فنقول : هي هنا أيضا كذلك ، وذلك من حيث إن اللَّه تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته واختياره ، ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضا قدرته واختياره ، فقال : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ [ الواقعة : 63 ] أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ [ الواقعة : 68 ] إلى غير ذلك ، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاما ، وخلقه الماء فراتا عذبا ، وجعله أجاجا ، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار ، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئا ، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم ، وقال : مواقع النجوم ، فإنها أيضا دليل الاختيار ، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار ، فقال : بِمَواقِعِ النُّجُومِ ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] وهذا كقوله تعالى : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 20 ، 21 ] وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [ الذاريات : 22 ] حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال تعالى : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال : ضربته قويا ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية : فالمسألة الأولى : هو أن يقال : جواب لَوْ تَعْلَمُونَ ما ذا ؟ وربما يقول بعض من لا يعلم : إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع ، لأن جواب الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها ، فلا يقال : زيدا إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني ، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال : قائما ضربت زيد ، أو ضربا شديدا ضربته ، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني ، إذا ثبت هذا فنقول : عمل