فخر الدين الرازي

427

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة ، فإذا قلت : من ، وأن ، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على / عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدما ومتأخرا ، وعمل الأفعال عمل معنوي ، وعمل الحروف عمل مشبه بالمعنى ، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى [ يوسف : 24 ] قال بعض الوعاظ متعلق بلولا ، فلا يكون الهم وقع منه ، وهو باطل لما ذكرنا ، وهنا أدخل في البطلان ، لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر ، فإن من قال : لو تعلمون إن زيدا لقائم ، لم يأت بالعربية ، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال : الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب ، وإنما يراد نفي ما دخلت عليه لو ، وكأنه قال : وإنه لقسم لا تعلمون ، وتحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره ، فلا بد من انتفاء الأول ، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف ، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم ، وهو كقولهم في الفعل المتعدي فلان يعطى ويمنع ، حيث لا يقصد به مفعول ، وإنما يراد إثبات القدرة ، وعلى هذا إن قيل : فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة ، وترك قوله : إنه لقسم ولا تعلمون ؟ فنقول : فائدته تأكيد النفي ، لأن من قال : لو تعلمون كان ذلك دعوى منه ، فإذا طولب وقيل : لم قلت إنا لا نعلم يقول : لو تعلمون لفعلتم كذا ، فإذا قال في ابتداء الأمر : لا تعلمون كان مريدا للنفي ، فكأنه قال : أقول : إنكم لا تعلمون قولا من غير تعلق بدليل وسبب وثانيهما : أن يكون له جواب تقديره : لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه ، فعلم أنكم لا تعلمون ، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم ، ولا تعظيم فلا تعلمون . المسألة الثانية : إن قيل قوله : لَوْ تَعْلَمُونَ هل له مفعول أم لا ؟ قلنا : على الوجه الأول لا مفعول له ، كما في قولهم : فلان يعطي ويمنع ، وكأنه قال : لا علم لكم ، ويحتمل أن يقال : لا علم لكم بعظم القسم ، فيكون له مفعول ، والأول أبلغ وأدخل في الحسن ، لأنهم لا يعلمون شيئا أصلا لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة ، فهو كقوله : صُمٌّ بُكْمٌ * [ البقرة : 18 ] وقوله : كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ * [ الأعراف : 179 ] وعلى الثاني أيضا يحتمل وجهين أحدهما : لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه وثانيهما : لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه . المسألة الثالثة : كيف تعلق قوله تعالى : لَوْ تَعْلَمُونَ بما قبله وما بعده ؟ فنقول : هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره : وإنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم ، فإن قيل : فما فائدة الاعتراض ؟ نقول : الاهتمام بقطع اعتراض المعترض ، لأنه لما قال : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ أراد أن يصفه بالعظمة بقوله : عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم ، وكانوا يقولون : لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم وظن ، فقال : لو تعلمون لحصل لكم القطع ، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا ، وذلك لأنا قلنا : إن قوله : فَلا أُقْسِمُ معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين ، والكفار كانوا يقولون : أين الظهور ونحن نقطع بعدمه ، فقال : لو تعلمون شيئا لما كان كذلك ، والأظهر منه أنا بينا أن كل ما جعله اللّه قسما فهو في نفسه دليل على المطلوب وأخرجه مخرج القسم ، فقوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ معناه عند التحقيق ، وإنه دليل وبرهان قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله ، وهو التوحيد / والقدرة على الحشر ، وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه ، وأما المعنوية :