فخر الدين الرازي

83

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

العالم بحال المحل والثاني : ما يحصل من القتل خطأ ، وهو / غير عدم العلم ، فقال : تصيبكم منهم معرة غير معلومة ، لا التي تكون عن العلم وجواب : لولا محذوف تقديره : لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم ، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن ، ويحتمل أن يقال جوابه : ما يدل عليه قوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني قد استحقوا لأن لا يهملوا ، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل : هو سارق ولولا فلان لقطعت يده ، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء لوجود غيره ، وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير فذكر اللّه تعالى أولا المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع ، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين . وقوله تعالى : لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً فيه أبحاث : الأول : في الفعل الذي يستدعي اللام الذي بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه أحدها : أن يقال هو قوله أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ليدخل ، لا يقال بأنك ذكرت أن المانع وجود رجال مؤمنين فيكون كأنه قال : كف أيديكم لئلا تطئوا فكيف يكون لشيء آخر ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن نقول كف أيديكم لئلا تطئوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر اللّه لي أي الإطعام للشابع كان ليغفر الثاني : هو أنا بينا أن لولا جوابه ما دل عليه قوله هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل في إهلاكهم ، ولولا رجال لعجل بهم ولكن كف أيديكم ليدخل ثانيها : أن يقال فعل ما فعل ليدخل لأن هناك أفعالا من الألطاف والهداية وغيرهما ، وقوله لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ليؤمن منهم من علم اللّه تعالى أنه يؤمن في تلك السنة أو ليخرج من مكة ويهاجر فيدخلهم في رحمته وقوله تعالى : لَوْ تَزَيَّلُوا أي لو تميزوا ، والضمير يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات ، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو لعجل ولو كان لَوْ تَزَيَّلُوا راجعا إلى الرجال لكان لعذبنا جواب لولا ؟ نقول وقد قال به الزمخشري فقال : لَوْ تَزَيَّلُوا يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن يكون لعذبنا جواب لولا ، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء ، كأنه قال ليدخل من يشاء في رحمته لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب اللّه عليهم أنهم لا يؤمنون ، وفيه أبحاث : البحث الأول : وهو على تقدير نفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع عنهم ، إما بسبب عدم التزييل ، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال والعذاب الأليم لا يندفع / عن الكافر ، نقول المراد عذابا عاجلا بأيديكم يبتدئ بالجنس إذ كانوا غير مقرنين ولا منقلبين إليهم فيظهرون ويقتدرون يكون أليما . البحث الثاني : ما الحكمة في ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل في ذكر المذكر عند الاجتماع ؟ قلنا الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما تقدم يعني أن الموضع موضع وهم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ معناه تهلكوهم والمراد لا تقاتل ولا تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال المؤمنين فقال : والنساء المؤمنات أيضا لأن تخريب بيوتهن ويتم أولادهن بسبب رجالهن وطأة شديدة وثانيهما : أن في محل الشفقة تعد المواضع لترقيق القلب ، يقال لمن يعذب شخصا لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه ، ويقال أولاده وصغاره وأهله الضعفاء العاجزين ، فكذلك هاهنا قال : لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ