فخر الدين الرازي

84

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لترقيق قلوب المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ] إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 ) إِذْ يحتمل أن يكون ظرفا فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملا له ، ويحتمل أن يكون مفعولا به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور ، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان أحدهما : هو قوله تعالى : وَصَدُّوكُمْ [ الفتح : 25 ] أي وصدوكم حين جعلوا في قلوبهم الحمية وثانيها : قوله تعالى : لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ [ الفتح : 25 ] أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية والثاني : أقرب لقربه لفظا وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل اللّه عليهم السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد واللّه مع المؤمنين فيعذبونهم عذابا أليما أو غير المؤمنين ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان أحدهما : حفظ اللّه المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في قلوبهم الحمية وثانيها : أحسن اللّه إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، وعلى هذا فقوله تعالى : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ تفسير لذلك الإحسان ، وأما إن قلنا إنه مفعول به ، فالعامل مقدر تقديره أذكر ، أي : أذكر ذلك الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه / كما تقول أتذكر زيدا ، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه ، وفيه . لطائف معنوية ولفظية : الأولى : هو أن اللّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء أحدها : جعل ما للكافرين بجعلهم فقال : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجعل ما للمؤمنين بجعل اللّه ، فقال : فَأَنْزَلَ اللَّهُ وبين الفاعلين ما لا يخفى ثانيها : جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ثالثها : أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال : حمية الجاهلية ، وقال : سكينته ، وبين الإضافتين ما لا يذكر الثانية : زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء بشيء فعلهم بفعل اللّه والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى اللّه تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وسنذكر معناه ، وأما اللفظية فثلاث لطائف الأولى : قال في حق الكافر ( جعل ) وقال في حق المؤمن ( أنزل ) ولم يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى ، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده فأنزلها الثانية : قال الحمية ثم أضافها بقوله حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ لأن الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحا ، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية . وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى اللّه فيها من الحسن ما لا يبقى معه لحسن اعتبار ، فقال سَكِينَتَهُ اكتفاه بحسن الإضافة الثالثة : قوله فَأَنْزَلَ بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمته لا ينبئ عن ذلك ، وحينئذ يكون فيه لطيفة : وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن يكون ضعيفا أو قويا ، فإن كان ضعيفا ينهزم وينقهر ، وإن كان قويا فيورث غضبه فيه غضبا ، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا ، وقوله تعالى : فَأَنْزَلَ اللَّهُ بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء ، نقول فيه وجهان : أحدهما : ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن اللّه إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله