فخر الدين الرازي
35
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
زيد وعمر ويجعل أمرا سببا لأمر ، وفي الأخيرة يجعل اللّه مقصودا ولا يقصد غيره ، ولا يرى إلا منه سره وجهره ، فلا ينيب إلى شيء في شيء فهذا هو الإيمان الآخر باللّه وذلك الإيمان الأول . وأما ما في النبي صلى اللّه عليه وسلم فيقول أولا هو صادق فيما ينطق ، ويقول آخر لا نطق له إلا باللّه ، ولا كلام يسمع منه إلا وهو من اللّه ، فهو في الأول يقول بالصدق ووقوعه منه ، وفي الثاني يقول بعدم إمكان الكذب منه لأن حاكي كلام الغير لا ينسب إليه الكذب ولا يمكن إلا في نفس الحكاية ، وقد علم هو أنه حاك عنه كما قاله ، وأما في المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلا والحياة العاجلة حالا وفي المرتبة الأخيرة يجعل الحشر حالا والحياة الدنيا ماضيا ، فيقسم حياة نفسه في كل لحظة ، ويجعل الدنيا كلها عدما لا يلتفت إليها ولا يقبل عليها . المسألة الرابعة : قوله وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ هو في مقابلة قوله في حق الكافر وَصَدُّوا [ محمد : 1 ] لأنا بينا في وجه أن المراد بهم صدوا عن اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا حث على اتباع محمد / صلى اللّه عليه وسلم ، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل اللّه ، وهو محمد عليه السلام وما أنزل عليه ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على اتباع سبيله ، لا جرم حصل لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك ، فأضل اللّه حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء . المسألة الخامسة : قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ هل يمكن أن يكون من ربهم وصفا فارقا ، كما يقال رأيت رجلا من بغداد ، فيصير وصفا للرجل فارقا بينه وبين من يكون من الموصل وغيره ؟ نقول لا ، لأن كل ما كان من اللّه فهو الحق ، فليس هذا هو الحق من ربهم ، بل قوله مِنْ رَبِّهِمْ خبر بعد خبر ، كأنه قال وهو الحق وهو من ربهم ، أو إن كان وصفا فارقا فهو على معنى أنه الحق النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهدا ، فإن كون الشمس مضيئة حق وهو ليس نازل من الرب ، بل هو علم حاصل بطريق يسره اللّه تعالى لنا . ثم قال تعالى : كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي سترها وفيه إشارة إلى بشارة ما كانت تحصل بقوله أعدمها ومحاها ، لأن محو الشيء لا ينبئ عن إثبات أمر آخر مكانه ، وأما الستر فينبئ عنه ، وذلك لأن من يريد ستر ثوب بال أو وسخ لا يستره بمثله ، وإنما يستره بثوب نفيس نظيف ، ولا سيما الملك الجواد إذا ستر على عبد من عبيده ثوبه البالي أمر بإحضار ثوب من الجنس العالي لا يحصل إلا بالثمن الغالي ، فيلبس هذا هو الستر بينه وبين المحبوبين ، وكذلك المغفرة ، فإن المغفرة والتكفير من باب واحد في المعنى ، وهذا هو المذكور في قوله تعالى : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] وقوله وَأَصْلَحَ بالَهُمْ إشارة إلى ما ذكرنا من أنه يبدلها حسنة ، فإن قيل كيف تبدل السيئة حسنة ؟ نقول معناه أنه يجزيه بعد سيئاته ما يجزى المحسن على إحسانه ، فإن قال الإشكال باق وباد ، وما زال بل زاد ، فإن اللّه تعالى لو أثاب على السيئة كما يثيب عن الحسنة ، لكان ذلك حثا على السيئة ، نقول ما قلنا إنه يثيب على السيئة وإنما قلنا إنه يثيب بعد السيئة بما يثيب على الحسنة ، وذلك حيث يأتي المؤمن بسيئة ، ثم يتنبه ويندم ويقف بين يدي ربه معترفا بذنبه مستحقرا لنفسه ، فيصير أقرب إلى الرحمة من الذي لم يذنب ، ودخل على ربه مفتخرا في نفسه ، فصار الذنب شرطا للندم ، والثواب ليس على السيئة ، وإنما هو على الندم ، وكأن اللّه تعالى قال عبدي أذنب ورجع إليّ ، ففعله شيء لكن ظنه بي حسن حيث لم يجد ملجأ غيري فاتكل على فضلي ، والظن عمل القلب ، والفعل عمل البدن ، واعتبار عمل القلب أولى ، ألا ترى أن النائم والمغمى عليه لا يلتفت إلى عمل بدنه ، والمفلوج الذي لا حركة له يعتبر قصد قلبه ، ومثال الروح والبدن راكب دابة يركض فرسه بين يدي ملك يدفع عنه العدو بسيفه وسنانه ، والفرس