فخر الدين الرازي

36

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يلطخ ثوب الملك بركضه في استنانه ، فهل يلتفت إلى فعل الدابة مع فعل الفارس ، بل لو كان الراكب فارغا / الفرس يؤذي بالتلويث يخاطب الفارس به ، فكذلك الروح راكب والبدن مركوب ، فإن كانت الروح مشغولة بعبادة اللّه وذكره ، ويصدر من البدن شيء لا يلتفت إليه ، بل يستحسن منه ذلك ويزاد في تربية الفرس الراكض ويهجر الفرس الواقف ، وإن كان غير مشغول فهو مؤاخذ بأفعال البدن ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 3 ] ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ ( 3 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الباطل وجوه الأول : ما لا يجوز وجوده ، وذلك لأنهم اتبعوا إلها غير اللّه ، وإله غير اللّه محال الوجود ، وهو الباطل وغاية الباطل ، لأن الباطل هو المعدوم ، يقال بطل كذا ، أي عدم ، والمعدوم الذي لا يجوز وجوده ولا يمكن أن يوجد ، ولا يجوز أن يصير حقا موجودا ، فهو في غاية البطلان ، فعلى هذا فالحق هو الذي لا يمكن عدمه وهو اللّه تعالى ، وذلك لأن الحق هو الموجود ، يقال تحقق الأمر ، أي وجد وثبت ، والموجود الذي لا يجوز عدمه هو في غاية الثبوت الثاني : الباطل الشيطان بدليل قوله تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] فبيّن أن الشيطان متبوع وأتباعه هم الكفار والفجار ، وعلى هذا فالحق هو اللّه ، لأنه تعالى جعل في مقابلة حزب الشيطان حزب اللّه الثالث : الباطل ، هو قول كبرائهم ودين آبائهم ، كما قال تعالى عنهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] ومقتدون فعلى هذا الحق ما قاله النبي عليه السلام عن اللّه الرابع : الباطل كل ما سوى اللّه تعالى ، لأن الباطل والهالك بمعنى واحد . و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] وعلى هذا فالحق هو اللّه تعالى أيضا . المسألة الثانية : لو قال قائل من ربهم لا يلائم إلا وجها واحدا من أربعة أوجه ، وهو قولنا المراد من الحق هو ما أنزل اللّه وما قال النبي عليه السلام من اللّه ، فأما على قولنا الحق هو اللّه فكيف يصح قوله اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ نقول على هذا مِنْ رَبِّهِمْ لا يكون متعلقا بالحق ، وإنما يكون تعلقه بقوله تعالى : اتَّبَعُوا أي اتبعوا أمر ربهم ، أي من فضل اللّه أو هداية ربهم اتبعوا الحق ، وهو اللّه سبحانه . المسألة الثالثة : إذا كان الباطل هو المعدوم الذي لا يجوز وجوده ، فكيف يمكن اتباعه ؟ نقول لما كانوا يقولون إنما يفعلون للأصنام وهي آلهة وهي تؤجرهم بذلك كانوا متبعين في زعمهم ، ولا متبع هناك . المسألة الرابعة : قال في حق المؤمنين اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ وقال في حق الكفار اتَّبَعُوا الْباطِلَ من آلهتهم أو الشيطان ، نقول أما آلهتهم فلأنهم لا كلام لهم ولا عقل ، وحيث ينطقهم اللّه ينكرون فعلهم ، كما قال تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [ فاطر : 14 ] وقال تعالى : وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [ الأحقاف : 6 ] واللّه تعالى رضي بفعلهم وثبتهم عليه ، ويحتمل أن يقال قوله مِنْ رَبِّهِمْ عائد إلى الأمرين جميعا ، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل ، وهؤلاء الحق ، أي من حكم ربهم ، ومن عند ربهم . ثم قال تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ وفيه أيضا مسائل : المسألة الأولى : أي مثل ضربه اللّه تعالى حتى يقول كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات الأبرار الثاني : كون الكافر متبعا للباطل ، وكون المؤمن متبعا