فخر الدين الرازي
552
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ معناه : فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة ، فأنتم لستم برسل ، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم ، وهو المراد من قوله فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ . واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام ، وقوله أُرْسِلْتُمْ بِهِ ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلا ، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة فكلمه ، ثم أتانا ببيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة واللّه لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي ، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد اللّه ؟ لم تشتم آلهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا ، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أي بنات من شئت من قريش ، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ساكت ، فلما فرغ قال : بسم اللّه الرحمن الرحيم حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلى قوله صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلم احتبس عنهم قالوا ، لا نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت : فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : واللّه لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب . واعلم أنه تعالى لما بيّن كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بيّن خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال : فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وهذا الاستكبار فيه وجهان الأول : إظهار النخوة والكبر ، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني : الاستعلاء على الغير / واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة ، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم ، فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم ، فاللّه الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل ، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين للّه تعالى ، خاضعين لأوامره ونواهيه . واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة للّه ، فقالوا القوة للّه تعالى ويتأكد هذا بقوله اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يدل على إثبات القوة للّه تعالى ويتأكد هذا بقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة ، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة اللّه لا نهاية لها ، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فما معنى قوله إن اللّه أشد منهم قوة ؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا اللّه أكبر . ثم قال : وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة . واعلم أن نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون ، وقوله