فخر الدين الرازي
553
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً اعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار . واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق ، فقوله فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ مضاد للإحسان إلى الخلق وقوله وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ مضاد للتعظيم للخالق ، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية القصوى ، فلهذا المعنى سلّط اللّه العذاب عليهم فقال : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وفي الصرصر قولان أحدهما : أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في هبوبها ، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير الباب ، وقيل من الصرة والصيحة ، ومنه قوله تعالى : فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [ الذاريات : 29 ] والقول الثاني : أنها الباردة التي تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها ، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ [ آل عمران : 117 ] وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم ، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات » وعن ابن عباس أن اللّه تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي ، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته . وأما قوله فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو نَحِساتٍ بسكون الحاء والباقون بكسر / الحاء ، قال صاحب « الكشاف » يقال نحس نحسا نقيض سعد سعدا فهو نحس ، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر . المسألة الثانية : استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام قد يكون نحسا وبعضها قد يكون سعدا ، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى ، أجاب المتكلمون بأن قالوا أَيَّامٍ نَحِساتٍ أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف ، وأيضا قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن اللّه أهلكهم فيها ، أجاب المستدل الأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشئومات لأن السعد يقابله السعد ، والكدر يقابله الصافي ، وأجاب عن السؤال الثاني أن اللّه تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات ، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايرا لذلك العذاب الذي وقع فيها . ثم قال تعالى : لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي عذاب الهوان والذل ، والسبب فيه أنهم استكبروا ، فقابل اللّه ذلك الاستكبار بإيصال الخزي والهوان والذل إليهم . ثم قال تعالى وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أي أشد إهانة وخزيا وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي عنهم . ولما ذكر اللّه قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال : وَأَمَّا ثَمُودُ قال صاحب « الكشاف » قرئ ثَمُودُ بالرفع والنصب منونا وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرئ بضم الثاء وقوله فَهَدَيْناهُمْ أي