فخر الدين الرازي
551
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن الكلام إنما ابتدئ من قوله أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ فصلت : 6 ] واحتج عليه بقوله قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة كيف يجوز الكفر به ، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له في الإلهية ؟ ولما تمم تلك الحجة قال : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وبيان ذلك لأن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه ، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذ علاج في حقهم إلا إنزال العذاب عليهم فلهذا السبب قال : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ بمعنى إن أعرضوا عن قبول هذه الحجة القاهرة التي ذكرناها وأصروا على الجهل والتقليد فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ والإنذار هو : التخويف ، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأي شيء كان ، وقرئ صعقة مثل صعقة عاد وثمود قال صاحب « الكشاف » وهي المرة من الصعق . ثم قال : إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وفيه وجهان الأول : المعنى أن الرسل المبعوثين إليهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما حكى اللّه تعالى عن الشيطان قوله ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [ الأعراف : 17 ] يعني لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة ، ويقول الرجل : استدرت بفلان من كل / جانب فلم تؤثر حيلتي فيه . السؤال الثاني : المعنى : أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم ، فإن قيل : الرسل الذين جاءوا من قبلهم ومن بعدهم ، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاءوهم ؟ قلنا : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاءوهم . ثم قال : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني أن الرسل الذين جاءوهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك ، قال صاحب « الكشاف » أن في قوله أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا اللّه . ثم حكى اللّه تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل ، وقالوا الدليل على كونكم كاذبين أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زمرة الملائكة ، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة ، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا