فخر الدين الرازي
474
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية ، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر اللّه ، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة ، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية ، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية ، وذلك باطل قطعا ، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته ، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته ، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه ، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين ، فنقول هاهنا لفظ القبضة ولفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة ، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات ، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازا عن تلك الحقيقة ، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره ، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب ، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق ، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد ، دال على قلة وقوفه على المعاني ، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح ، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح / للّه تعالى ، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز ، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره . قال تعالى : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ * [ المعارج : 30 ] والمراد منه كونه مملوكا له ، ويقال هذه الدار في يد فلان ، وفلان صاحب اليد ، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته ، ولا يريدون إلا خلوص ملكه ، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل ، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه اللّه تعالى عن الجسمية والمكان ، سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه . المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية قوله وَالْأَرْضُ المراد منه الأرضون السبع ، ويدل عليه وجوه الأول : قوله جَمِيعاً فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله كُلُّ الطَّعامِ * [ آل عمران : 93 ] وقوله تعالى : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [ النور : 31 ] وقوله تعالى : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ ق : 10 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ العصر : 2 ، 3 ] فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا هاهنا والثاني : أنه قال بعده وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث : أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة ، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [ طه : 96 ] والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضا أعطني قبضة من كذا ، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، والمعنى والأرضون جميعا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته ، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، أما إذا أريد معنى القبضة ،