فخر الدين الرازي
475
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ظرفا « 1 » وقوله مَطْوِيَّاتٌ من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ [ الأنبياء : 104 ] وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه ، ثم قال صاحب الكشاف : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدا ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل ، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه ؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره ؟ مع أنه وقع في التأويلات / العسر والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى اللّه تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد اللّه من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى اللّه تعالى ، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلا ، واللّه أعلم . واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية ، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول : أن العرش أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع ، ثم إنه قال في صفة العرش وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم ، فكيف يجوز تقدير عظمة اللّه بكونه حاملا للسموات والأرض ؟ السؤال الثاني : أن قوله وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة ، والقوم ما شاهدوا ذلك ، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين ، للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء للّه تعالى ، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم ، وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة وهم ينكرون قوله وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك ؟ . السؤال الثالث : حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة ، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة اللّه فكذلك الآن ، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة ؟ . الجواب عن الأول : أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة اللّه بكونه قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة ، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش .
--> ( 1 ) يريد انه منصوب نزع على الخافض والتقدير « في قبضته » .