فخر الدين الرازي

429

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبين الحلال والحرام ، أو لأنه فرق في النزول كما قال : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [ الإسراء : 106 ] وهذا التأويل أقرب لأنه قال : نَزَّلَ الْفُرْقانَ ولفظة ( نزل ) تدل على التفريق ، وأما لفظة ( أنزل ) فتدل على الجمع ، ولذلك قال في سورة آل عمران : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ . . . وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ آل عمران : 3 ] واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولا تَبارَكَ ومعناه كثرة الخير والبركة ، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات ، لكن القرآن ليس إلا منبعا للعلوم والمعارف والحكم ، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيرا وبركة . المسألة الرابعة : لا نزاع أن المراد من العبد هاهنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول اللَّه وأمته كما قال : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ * [ الأنبياء : 10 ] ، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [ البقرة : 136 ] ، وقوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً فالمراد ليكون هذا العبد نذيرا للعالمين ، وقول من قال : إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي [ الإسراء : 9 ] فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف ، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب ، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام : الأول : أن العالم كل ما سوى اللَّه تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا ، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض الثاني : أن لفظ لِلْعالَمِينَ يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل ، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيرا للكل ، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [ الأعراف : 179 ] الآية ، الرابع : لقائل أن يقول إن قوله تَبارَكَ كما دل على كثرة الخير والبركة لا بد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سببا لكثرة الخير / والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع ؟ جوابه : أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد ، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة ، فكذا هاهنا كلما كان الإنذار كثيرا كان رجوع الخلق إلى اللَّه أكثر ، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر البتة شيئا من منافع الدنيا . ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء وثانيها : قوله : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فبين سبحانه أنه هو المعبود أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : تَبارَكَ ولقوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ