فخر الدين الرازي
430
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا كالرد على النصارى وثالثها : قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها : قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وفيه سؤالات : الأول : هل في قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك ، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال : هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر اللَّه تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه : أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا في قوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] وقال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب : أما قوله : وَإِذْ تَخْلُقُ وقوله : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ * فهما معارضان بقوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * [ الزمر : 62 ] / وبقوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها . السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير ( فقوله ) « 1 » : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( معناه ) « 2 » وقدر كل شيء فقدره تقديرا ؟ والجواب : المعنى [ أنه ] « 3 » أحدث كل شيء إحداثا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرا وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر ( المستوي ) « 4 » الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ( به في باب ) « 5 » الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر [ له ] « 6 » غير ( متخلف ) « 7 » عنه . السؤال الثالث : هل في قوله : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً دلالة على مذهبكم ؟ الجواب : نعم وذلك من وجوه : أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار
--> ( 1 ) في الكشاف ( فما معنى قوله ) 3 / 81 ط . دار الفكر . ( 2 ) في الكشاف ( كأنه قال وقدر . . . ) . ( 3 ) زيادة من الكشاف . ( 4 ) في الكشاف ( المسوى ) . ( 5 ) في الكشاف ( في بابي ) . ( 6 ) زيادة من الكشاف . ( 7 ) في الكشاف ( متجاف ) .