فخر الدين الرازي

276

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

صحة الحشر فهو قولهم : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ معادون أحياء للمجازاة ، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ثم أكدوا الشبهة بقولهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد ، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر . فلذلك قالوا : وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته ، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا : وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ لأن القوم كالتبع لهم ، واعلم أن اللَّه تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى : فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية : فلأنهم استبعدوا الحشر ، ولا يستبعد الحشر لوجهين : الأول : أنه سبحانه لما كان قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على الحشر والنشر والثاني : وهو أنه لولا الإعادة لكان تسليط القوي على الضعيف في الدنيا ظلما . وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه : 15 ] وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : ثنى « 1 » إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول . وفي قراءة ابن مسعود : وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 35 ] . المسألة الثانية : قرئ هَيْهاتَ بالفتح والكسر ، كلها بتنوين وبلا تنوين ، وبالسكون على لفظ الوقف . المسألة الثالثة : هي في قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله : إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ، لأن الخبر يدل عليه ومنه [ قول الشاعر ] : هي النفس ما حملتها تتحمل والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة ، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس . واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال : رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ وقد تقدم تفسيره فأجابه اللَّه تعالى فيما سأل وقال : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ [ المؤمنون : 40 ] / والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك ، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول ، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ وذكروا في الصيحة وجوها : أحدها : أن جبريل عليه السلام صاح بهم ، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها وثانيها : الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما وثالثها : الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب عن الحسن ورابعها : أنه العذاب المصطلم ، قال الشاعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه هو الحقيقة .

--> ( 1 ) المراد بقوله ثنى كرر وليس من التثنية المقابلة للإفراد والجمع .