فخر الدين الرازي
277
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأما قوله : بِالْحَقِّ فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلا في قضاياه . وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، كقوله : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ ق : 19 ] . أما قوله : فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ، ومنه قوله تعالى : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى . وأما قوله تعالى : فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : بعدا وسحقا ودمرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعدا بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعدا وبعدا بفتح العين نحو رشد رشدا ورشدا بفتح الشين واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قوله : فَبُعْداً بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير ، واللَّه تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم العذاب دالا بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالا ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 42 إلى 44 ] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) القصة الثالثة اعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كهاهنا ، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام . فأما قوله : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا . أما قوله : ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها ، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر ، منبها بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم ، ونظيره قوله تعالى : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ نوح : 4 ] وهاهنا مسألتان : المسألة الأولى : قال أصحابنا : هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص .