فخر الدين الرازي

229

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية ، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن في مقاتلتهم . أما قوله : وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك . أما قوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين : أحدهما : أنهم أخرجوهم من ديارهم والثاني : أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا : ربنا اللَّه وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم ، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم : رَبُّنَا اللَّهُ وهو من الحق ؟ قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير ، ومثله هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [ المائدة : 59 ] ثم بين سبحانه بقوله : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع لَهُدِّمَتْ بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه ؟ الجواب : هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى : ولولا دفاع اللَّه أهل الشرك بالمؤمنين ، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من / مواضع العبادة ، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها ، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام ، وذكر المفسرون وجوها أخر : أحدها : قال الكلبي يدفع اللَّه بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد وثانيها : روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال يدفع اللَّه بالمحسن عن المسئ ، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي ، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق وبالذي يحج عن الذي لا يحج ، وعن ابن عمر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « إن اللَّه يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه » ثم تلا هذه الآية وثالثها : قال الضحاك عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة ورابعها : قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص . السؤال الثاني : لما ذا جمع اللَّه بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين ؟ الجواب : لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه : أحدها : قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين ، وإن اختلفت العبارات عنها وثانيها : قول الزجاج ولولا دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه ، فلو لا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه ، وفي زمن عيسى الصوامع ، وفي زمن نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ وثالثها : بل المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر اللَّه تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان . السؤال الثالث : ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد ؟ الجواب : ذكروا فيها وجوها : أحدها :