فخر الدين الرازي
230
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي اللَّه عنه وثانيها : الصوامع للنصارى وهي التي بنوها في الصحارى والبيع لهم أيضا وهي التي يبنونها في البلد والصلوات لليهود ، قال الزجاج وهي بالعبرانية صلوتا وثالثها : الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة ورابعها : أنها بأسرها أسماء المساجد عن الحسن ، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع ، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه ، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد . السؤال الرابع : الصلوات كيف تهدم خصوصا على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر وثانيها : بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهلها وثالثها : لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن / أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه ، كقولهم متقلدا سيفا ورمحا ، وإن كان الرمح لا يتقلد . السؤال الخامس : قوله : يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل ؟ الجواب : قال الكلبي ومقاتل عائد إلى الكل لأن اللَّه تعالى يذكر في هذه المواضع كثيرا ، والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفا لها بأن ذكر اللَّه يحصل فيها كثيرا . السؤال السادس : لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد ؟ الجواب : لأنها أقدم في الوجود ، وقيل أخرها في الذكر كما في قوله : وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فاطر : 32 ] ولأن أول الفكر آخر العمل ، فلما كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خير الرسل وأمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال عليه السلام : « نحن الآخرون السابقون » . أما قوله تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين اللَّه تعالى ، وقال آخرون : بل المراد من يقوم بسائر دينه ، وإنما قالوا ذلك لأن نصرة اللَّه على الحقيقة لا تصح ، وإنما المراد من نصرة اللَّه نصرة دينه كما يقال في ولاية اللَّه وعداوته مثل ذلك وفي قوله : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر اللَّه تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائما بإيضاح الأدلة والبينات ، وبكون بالإعانة على المعارف والطاعات ، وفيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر ، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين ، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله عَزِيزٌ لأن العزيز هو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده . ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ليس إلا هذا ، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء ، لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء . إذا ثبت هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ صفة لمن تقدم وهو قوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن اللَّه تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة ، فإنهم أتوا