فخر الدين الرازي
246
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملكه بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضا استطاعة تحصيل الملك . فإن قيل : إنه تعالى قال : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ فعبر عن الأصنام بصيغة « ما » وهي لغير أولي العلم ، ثم قال : وَلا يَسْتَطِيعُونَ والجمع بالواو والنون مختص بأولي العلم فكيف الجمع بين الأمرين ؟ والجواب : أنه عبر عنها بلفظ « ما » اعتبارا لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتبارا لما يعتقدون فيها أنها آلهة . ثم قال تعالى : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : يعني لا تشبهوه / بخلقه . الثاني : قال الزجاج : أي لا تجعلوا للّه مثلا ، لأنه واحد لا مثل له . الثالث : أقول يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون : إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم ، والدليل عليه العرف ، فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا هاهنا فعند هذا قال اللّه تعالى لهم اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تضربوا للّه الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وفيه وجهان : الأول : أن اللّه تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم ، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا تعلمون ذلك ، ولو علمتموه لتركتم عبادتها . الثاني : أن اللّه تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها ، واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك ، لأن هذا قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص ، فلهذا قال : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . ثم قال تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 75 ] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذا المثل قولان : القول الأول : أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا ، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين اللّه القادر على الرزق والإفضال ، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر البتة . والقول الثاني : أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر ، فإنه من حيث / إنه بقي محروما عن عبودية اللّه تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر اللّه تعالى ، والشفقة على خلق اللّه فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان اللّه تعالى .