فخر الدين الرازي

247

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أن القول الأول أقرب ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى . المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله : عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فقيل : المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر ، والمراد بقوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً عابد الصنم لأن اللّه تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سرا وجهرا . إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية . والقول الثاني : أن المراد بقوله : عَبْداً مَمْلُوكاً عبد معين ، وقيل : هو عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً على عثمان خاصة . والقول الثالث : أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة ، وهذا القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده اللّه تعالى في هذه الآية ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا . فإن قالوا : ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء ، فلم قلتم : إن كل عبد كذلك ؟ فنقول : الذي يدل عليه وجهان : الأول : أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية . وقوله : لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ حكم مذكور عقيبه فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبدا ، وبهذا الطريق يثبت العموم . الثاني : أنه تعالى قال بعده : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان اللّه قد آتاه رزقا حسنا ، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثيرا . فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا . ثم اختلفوا / فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال : لا يملك الطلاق أيضا . وأكثر الفقهاء قالوا : يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له تعلق بالمال . واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئا فهل يملكه أم لا ؟ وظاهر الآية ينفيه ، بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قال : مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف ؟ قلنا : أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر لأن الحر قد يقال : إنه عبد اللّه ، وأما قوله : لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون ، لأنهما لا يقدران على التصرف . السؤال الثاني : ( من ) في قوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ ما هي ؟