فخر الدين الرازي
214
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله : إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ قال أهل المعاني : أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله : مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض . وقوله : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ إخبار عن قوله : شَيْءٍ وليس بوصف له ، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال : فاء الظل يفيء فيئا إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 226 ] وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ [ الحشر : 6 ] وأصل هذا كله من الرجوع . إذا عرفت هذا فنقول : إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة أو بتضعيف العين . أما التعدية بزيادة الهمزة فكقوله : ما أَفاءَ اللَّهُ وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ اللّه الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ . قال الأزهري : تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعد ما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كما قال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء / وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل ، ومنهم من أنكر ذلك ، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي : فسلام الإله يغدو عليهم * وفيوء الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس ، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلا بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل ، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون ، وقوله : ظِلالُهُ أضاف الظلال إلى مفرد ، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ، وإنما حسن هذا ، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحدا في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق اللّه ، إلا أنه كثير في المعنى ، ونظيره قوله تعالى : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [ الزخرف : 13 ] فأضاف الظهور وهو جمع ، إلى ضمير مفرد ، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله : ما تَرْكَبُونَ هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن . أما قوله : عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ ففيه بحثان : البحث الأول : في المراد باليمين والشمائل قولان : القول الأول : أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب ، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنسان يمينه ، ومنه تظهر الحركة القوية ، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله . إذا عرفت هذا فنقول : إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي ، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي ، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس ، وعلى هذا التقدير : فالإظلال في أول النهار تبتدئ من