فخر الدين الرازي

215

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض . القول الثاني : أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل ، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها ، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم ، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس . هذا ما حصلته في هذا الباب ، وكلام المفسرين فيه غير ملخص . البحث الثاني : لقائل أن يقول : ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد ، والشمائل بصيغة الجمع ؟ وأجيب عنه بأشياء : أحدها : أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد / كقوله تعالى : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] . وثانيها : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها ، وذلك لأن قوله : ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ لفظه واحد ، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين . وثالثها : أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] وقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [ البقرة : 7 ] . ورابعها : أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين واحدة . وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة ، فلذلك عبر اللّه تعالى عنها بصيغة الجمع واللّه أعلم . المسألة الرابعة : أما قوله : سُجَّداً لِلَّهِ ففيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال : سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب ، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال : أسجد لقرد السوء في زمانه ، أي أخضع له قال الشاعر : ترى الأكم فيها سجدا للحوافر أي متواضعة إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى دبر النيرات الفلكية ، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة . ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء ، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير اللّه تعالى وتقديره ، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت للأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض ، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعا وارتفاعا ، ازدادت تلك الأظلال تقلصا وانتقاصا إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك ، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي ، وكلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت الأظلال تمددا وتزايدا في الجانب الشرقي . وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد ، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة ، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس ، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها ، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره ، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين ، علمنا أنها منقادة لقدرة اللّه خاضعة لتقديره وتدبيره ، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة .