فخر الدين الرازي
51
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الذي يحدث فيه بفعل اللّه تعالى واختياره وذلك يدل على أن الكل من اللّه تعالى وهو نظير قوله عليه السلام : « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » . المسألة الثانية : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وَيُثْبِتُ ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت ، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من التثبيت ، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبت . ولأن التشديد للتكثير ، وليس القصد بالمحو التكثير ، فكذلك ما يكون في مقابلته ، ومن شدد احتج بقوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [ النساء : 66 ] وقوله : فَثَبِّتُوا [ الأنفال : 12 ] . المسألة الثالثة : المحو ذهاب أثر الكتابة ، يقال : محاه يمحوه محوا إذا أذهب أثره ، وقوله : وَيُثْبِتُ قال النحويون : أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني ، وهو كقوله تعالى : وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ [ الأحزاب : 35 ] . المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان : القول الأول : إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ . قالوا : إن اللّه يمحو من الرزق / ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر ، وهو مذهب عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والقول الثاني : أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه : الأول : المراد من المحو والإثبات : نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول . الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال : إنه تعالى وصف الكتاب بقوله : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] وقال أيضا : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . أجاب القاضي عنه : بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والمباح لا صغيرة ولا كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكبير ، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين . أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ، لأنه إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك فهو كبير ، وعلى هذا التقرير فقوله : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] يتناول المباحات أيضا . الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فإذا تاب عنه محي من ديوانه . الرابع : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وهو من جاء أجله . ويدع من لم يجيء أجله ويثبته . الخامس : أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ، وأثبت كتاب آخر للمستقبل . السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس . السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة . الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى اللّه تعالى . التاسع : تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حصل وحضر فهو الإثبات . العاشر : يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما يشاء ، وهو المستقل بالإيجاد