فخر الدين الرازي

52

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه . واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم . فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات ؟ قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه . المسألة الخامسة : قالت الرافضة : البداء جائز على اللّه تعالى ، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ . واعلم أن هذا باطل لأن علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالا . المسألة السادسة : أما أُمُّ الْكِتابِ فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان : القول الأول : أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كان اللّه ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة » قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفصيل ، وعلى هذا التقدير : فعند اللّه كتابان : أحدهما : الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات . والكتاب الثاني : هو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو الباقي . روى أبو الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أن اللّه سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة . والقول الثاني : إن أم الكتاب هو علم اللّه تعالى ، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم اللّه تعالى بها باق منزه عن التغير ، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك . واللّه أعلم . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 40 ] وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) اعلم أن المعنى : وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب : أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك ، والمعنى : / سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره ، فالواجب عليك تبليغ أحكام اللّه تعالى وأداء أمانته ورسالته وعلينا الحساب . والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج والأداء . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 41 إلى 42 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 )