فخر الدين الرازي
160
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
القول الثاني : في تفسير قوله : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي إنها السبع الطوال وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة معا . قالوا : وسميت هذه السور مثاني ، لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها وأنكر الربيع هذا القول . وقال هذه الآية مكية وأكثر هذه السور السبعة مدنية . وما نزل شيء منها في مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها . وأجاب قوم عن هذا الإشكال : بأن اللّه تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا . ثم أنزله على نبيه منها نجوما ، فلما أنزله إلى السماء الدنيا ، وحكم بإنزاله عليه ، فهو من جملة ما آتاه ، وإن لم ينزل عليه بعد . ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وهذا الكلام إنما يصدق / إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام ، فهذا الكلام لا يصدق فيه . وأما قوله بأنه لما حكم اللّه تعالى بإنزاله على محمد صلّى اللّه عليه وسلم كان ذلك جاريا مجرى ما نزل عليه فهذا أيضا ضعيف ، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر . والقول الثالث : في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين وفوق المفصل ، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني المثاني مكان الزبور ، وفضلني ربي بالمفصل » قال الواحدي : والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني . وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل ، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور ، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها ، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور . والقول الرابع : أن السبع المثاني هو القرآن كله ، وهو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات ، وقول طاوس قالوا : ودليل هذا القول قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ الزمر : 23 ] فوصف كل القرآن بكونه مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع ، وما المراد بالمثاني ؟ أما السبع فذكر فيه وجوها : أحدها : أن القرآن سبعة أسباع . وثانيها : أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم . التوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، والقضاء ، والقدر ، وأحوال العالم ، والقصص ، والتكاليف . وثالثها : أنه مشتمل على الأمر والنهي ، والخبر والاستخبار ، والنداء ، والقسم ، والأمثال . وأما وصف كل القرآن بالمثاني ، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف ، وهذا القول ضعيف أيضا ، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن ، لكان قوله : وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ عطفا للشيء على نفسه ، وذلك غير جائز . وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم واعلم أن هذا وإن كان جائزا لأجل وروده في هذا البيت ، إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه . والقول الخامس : يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة ، لأنها سبع آيات ، ويكون المراد بالمثاني كل