فخر الدين الرازي

161

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

القرآن ويكون التقدير : ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة المثاني الذي هو / القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل واللّه أعلم . المسألة الثانية : لفظة « من » في قوله : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال الزجاج فيها وجهان : أحدهما : أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثني بها على اللّه تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ويجوز أن تكون من صلة ، والمعنى : آتيناك سبعا هي المثاني كما قال : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] المعنى : اجتنبوا الأوثان ، لا أن بعضها رجس واللّه أعلم . أما قوله تعالى : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين ، وهو أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها وفي مد العين أقوال : القول الأول : كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا ومنه الحديث : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » وقال أبو بكر : من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ، وقيل : وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير ، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل اللّه تعالى فقال اللّه تعالى لهم : لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع . القول الثاني : قال ابن عباس : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع الدنيا ، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال : إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر ونحوه ، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ، وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ، وقد عبست في أبوالها وأبعارها فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية و قوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون . والقول الثالث : قال بعضهم : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الحسد من كل أحد قبيح ، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه ، وذلك يجري مجرى الاعتراض على اللّه تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه ، وذلك من كل أحد قبيح ، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلّى اللّه عليه وسلم به ؟ أما قوله تعالى : أَزْواجاً مِنْهُمْ قال ابن قتيبة أي أصنافا من الكفار ، والزوج في اللغة الصنف / ثم قال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون . والحاصل أن قوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ نهي له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن . ثم قال : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة : خافِضَةٌ رافِعَةٌ [ الواقعة : 3 ] أي أنها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطاعات ، فالخفض معناه