فخر الدين الرازي

264

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرئ آلان بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام . وأما قوله : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ فهو عطف على الفعل المضمر قبل آلْآنَ والتقدير : قيل : آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد . وأما قوله تعالى : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ففيه ثلاث مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن سائلا يسأل يقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد والوعيد ، فهو تعالى يقول : « أنا ما عاملته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل » وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح غالب ، وجانب العذاب مرجوح مغلوب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل ، أما عند الفلاسفة فهو أثر العمل ، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب ، وإشراقه إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على اللَّه تعالى وأما عند أهل السنة ، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم الوعد المحض . المسألة الثالثة : الآية تدل على كون العبد مكتسبا خلافا للجبرية ، وعندنا أن كونه مكتسبا معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب الفعل والمسألة الطويلة معروفة بدلائلها . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 54 ) اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] . وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا : أَ حَقٌّ هُوَ واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه : أولها : أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة . وثانيها : أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولا من عند اللَّه ، وهو بيان كون القرآن معجزا ، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم ، / وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله : أَ حَقٌّ هُوَ قيل : أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل : ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا . ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ والفائدة فيه أمور : أحدها : أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا هاهنا .