فخر الدين الرازي

265

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ولا بد فيه من تقدير محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحدا لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر اللَّه تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء : أولها : قوله : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئا كما قال تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 95 ] وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] وقال في صفة هذا اليوم لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] وثانيها : قوله : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ . واعلم أن قوله : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل اللَّه مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا متحيرا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . فإن قيل : إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه . قلنا : إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى : قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا [ المؤمنون : 106 ] الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم أخلصوا للَّه في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم ، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله : ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار . وثالثها : قوله تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فقيل بين المؤمنين والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والأتباع ، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم . واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي اللَّه تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم ، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 )