فخر الدين الرازي

263

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

على الجزاء كما في هذه الآية ، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخرا عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء . إذا ثبت هذا فنقول : إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال الشافعي رضي اللَّه عنه : لا يصح هذا التعليق ، وقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : يصح ، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على أن الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط ، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق مقارنا للنكاح ، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط ، وذلك يوجب الجمع بين الضدين ، ولما كان هذا اللازم باطلا وجب أن لا يصح هذا التعليق . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 50 إلى 52 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) [ في قوله تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ] اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعا البتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قوله : بَياتاً أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرا في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرا في الظل . وانتصب بَياتاً على الظرف أي وقت بيات وكلمة ما ذا فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ( ماذا ) اسما وأحدا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد اللَّه ، ويجوز أن يكون ( ذا ) بمعنى الذي ، فيكون ( ماذا ) كلمتين ومحل ( ما ) الرفع على الابتداء وخبره ( ذا ) وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون . واعلم أن قوله : إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً شرط . وجوابه : قوله ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعنى : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه . وأما قوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله : أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [ الأعراف : 98 ] أَ فَأَمِنَ [ الأعراف : 98 ] وهو يفيد التفريع والتوبيخ ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال : آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان