فخر الدين الرازي

262

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [ الفرقان : 30 ] وقوله تعالى : قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أن قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ كالدليل على أن المراد مما تقدم من قوله : قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ يونس : 47 ] القضاء بذلك في الدنيا ، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الآخرة ، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد ، وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد لكونه محقا في ذلك الإخبار ، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها مثل ذلك القول بدليل قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ [ يونس : 47 ] ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا اللَّه سبحانه ، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا حتى يقال : لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت ، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى اللَّه سبحانه ، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته اللَّه تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم والتأخر . المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا الطاعة والمعصية ، فهذا الاستثناء يدل على كون العبد مستقلا بهما . والجواب : قال أصحابنا : هذا الاستثناء منقطع ، والتقدير : ولكن ما شاء اللَّه من ذلك كائن . المسألة الثالثة : قرأ ابن سيرين فإذا جاء أجلهم . المسألة الرابعة : قوله : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ يدل على أن أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله ، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه ، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة . المسألة الخامسة : أنه تعالى قال هاهنا : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ فقوله : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ شرط وقوله : فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ جزاء والفاء حرف الجزاء ، فوجب إدخاله