فخر الدين الرازي

239

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] وهم أيضا يحيي بعضهم بعضا بالسلام قال تعالى : تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ * [ يونس : 10 ] وأيضا فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا ، قال تعالى : وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [ الواقعة : 90 ، 91 ] . المسألة الثالثة : اعلم أن كمال جود اللَّه تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم ، فدعوته عبيده إلى دار السلام ، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، لأن العظيم إذا استعظم شيئا ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب ، دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء ، لا سيما وقد ملأ اللَّه هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله : فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [ الواقعة : 89 ] ونحن نذكر هاهنا كلاما كليا في تقرير هذا المطلوب ، فنقول : الإنسان إنما يسعى / في يومه لغده ولكل إنسان غدان ، غد في الدنيا وغد في الآخرة فنقول : غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة : أولها : أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة . وثانيها : أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه ، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به . أما غد الآخرة فكلما اكتسبه الإنسان لأجل هذا اليوم ، فإنه لا بد وأن ينتفع به . وثالثها : أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله ، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب ، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات ، بل هي ممزوجة بالبليات ، والاستقراء يدل عليه ولذلك قال عليه السلام : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق » فقيل يا رسول اللَّه وما هو ؟ قال : « سرور يوم بتمامه » وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات . ورابعها : أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه ، وكان ذلك الانتفاع خاليا عن خلط الآفات ، إلا أنه لا بد وأن يكون منقطعا ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع ، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة ، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء اللَّه تعالى قالوا : إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام ، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة ، ولا شك أيضا أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة ، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون غيره . واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة الكثيرة ، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين : الأول : أن يكون المراد ويهدي اللَّه من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن اللَّه يهديه إليها . والثاني : أن المراد من هذه الآية الألطاف . وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد ، وهو أن عندهم أنه يجب على اللَّه فعل هذه الهداية ، وما كان واجبا لا يكون معلقا بالمشيئة ، وهذا معلق بالمشيئة ، فامتنع حمله على ما ذكروه . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 26 ] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 26 )