فخر الدين الرازي
240
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام ، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة . أما اللفظ الأول : وهو قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فقال ابن عباس : معناه : للذين ذكروا كلمة لا إله إلا اللَّه . وقال الأصم : معناه : للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به ، ومعناه : أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي ، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهيا عنها . والقول الثاني : أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات . وأما اللفظ الثاني : وهو الْحُسْنى فقال ابن الأنباري : الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن ، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها ، ولذلك لم تؤكد ، ولم تنعت بشيء ، وقال صاحب « الكشاف » : المراد : المثوبة الحسنى ونظير هذه الآية قوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . وأما اللفظ الثالث : وهو الزيادة فنقول : هذه الكلمة مبهمة ، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها ، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين : القول الأول : أن المراد من منها رؤية اللَّه سبحانه وتعالى قالوا : والدليل عليه النقل والعقل . أما النقل : فالحديث الصحيح الوارد فيه ، وهو أن الحسنى هي الجنة ، والزيادة هي النظر إلى اللَّه سبحانه وتعالى . وأما العقل : فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، فانصرف إلى المعهود السابق ، وهو دار السلام والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة ، وما فيها من المنافع والتعظيم . وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم ، وإلا لزم التكرار وكل من قال بذلك قال : إنما هي رؤية اللَّه تعالى فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة : الرؤية . ومما يؤكد هذا وجهان : الأول : أنه تعالى قال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] فأثبت لأهل الجنة أمرين : أحدهما : نضرة الوجوه والثاني : النظر إلى اللَّه تعالى ، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل الحسنى هاهنا على نضرة الوجوه ، وحمل الزيادة على رؤية اللَّه تعالى . الثاني : أنه تعالى قال لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] أثبت له النعيم ، وراية الملك الكبير ، فوجب هاهنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين . القول الثاني : أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية . قالت المعتزلة ويدل على ذلك وجوه : الأول : أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية اللَّه تعالى ممتنعة . والثاني : أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ، ورؤية اللَّه تعالى ليست من جنس نعيم الجنة . الثالث : أن الخبر الذي تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة ، هي النظر إلى وجه اللَّه تعالى ، وهذا الخبر يوجب التشبيه ، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة ، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص ، وذلك أيضا يوجب التشبيه فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية ، فوجب حمله على شيء آخر ، وعند هذا قال الجبائي : الحسنى عبارة عن الثواب المستحق ، والزيادة هي ما يزيده اللَّه تعالى على هذا الثواب من التفضل