فخر الدين الرازي

195

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ يس : 79 ] وثالثها : قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ الواقعة : 62 ] ورابعها : قوله تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] وخامسها : قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [ القيامة : 36 ، 33 ] إلى قوله : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة : 40 ] وسادسها : قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] إلى قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ الحج : 6 ، 7 ] فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور : الأول : أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله : إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ كأنه تعالى يقول : لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات متعاقبة ؟ والثاني : أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة . والثالث : أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر . والآية السابعة : في هذا الباب قوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 50 ، 51 ] . المثال الرابع : أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال : إنه لا يقدر على إعادتها ؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلا ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان أولى وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة : منها : قوله تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] وثانيها : قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ الأحقاف : 33 ] وثالثها : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [ النازعات : 27 ] . المثال الخامس : الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر والنشر ، فإن النوم أخو الموت ، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث ، فقال : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 61 ، 62 ] وقال في آية أخرى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها إلى قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ الزمر : 42 ] والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر . المثال السادس : أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل الضد بعد حصول الضد ، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة اللّه تعالى ، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت ؟ فإن حكم الضدين واحد قال تعالى مقررا لهذا المعنى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [ الواقعة : 60 ] وأيضا نجد النار مع حرها ويبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [ يس : 80 ] فكذا هاهنا ، فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد ، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول . المسألة الثانية : في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب .