فخر الدين الرازي
196
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول : يجب عقلا أن يكون إله العالم رحيما عادلا منزها عن الإيلام والإضرار ، إلا لمنافع أجل وأعظم منها ، ومنهم من ينكر هذه القاعدة ويقول : لا يجب على اللّه تعالى شيء أصلا ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول : فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه . الحجة الأولى : أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا بها يميزون بين الحسن والقبيح ، وأعطاهم قدرا بها يقدرون على الخير والشر وإذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة اللّه تعالى وعدله / أن يمنع الخلق عن شتم اللّه وذكره بالسوء ، وأن يمنعهم عن الجهل والكذب وإيذاء أنبيائه وأوليائه ، والصالحين من خلقه ومن الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات والخيرات والحسنات ، فإنه لو لم يمنع عن تلك القبائح ، ولم يرغب في هذه الخيرات ، قدح ذلك في كونه محسنا عادلا ناظرا لعباده ومن المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط الثواب بفعلها ، والزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها ، وذلك الثواب المرغب فيه ، والعقاب المهدد به غير حاصل في دار الدنيا فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب ، وهذا العقاب ، وهو المطلوب ، وإلا لزم كونه كاذبا ، وأنه باطل وهذا هو المراد من الآية التي نحن فيها وهي قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات ، وفي الردع عن المنكرات ما أودع اللّه في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات ولا حاجة مع ذلك إلى الوعد والوعيد ؟ سلمنا أنه لا بد من الوعد والوعيد ، فلم لا يجوز أن يقال : الغرض منه مجرد الترغيب والترهيب ليحصل به نظام العالم كما قال تعالى : ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [ الزمر : 16 ] فإما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه ؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد لصار كلامه كذبا فنقول : ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فإن كان هذا كذبا وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن يكون كذبا ؟ سلمنا أنه لا بد وأن يفعل اللّه تعالى ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الثواب والعقاب عبارة عما يصل إلى الإنسان من أنواع الراحات واللذات ومن أنواع الآلام والأسقام ، وأقسام الهموم والغموم ؟ والجواب عن السؤال الأول : أن العقل وإن كان يدعوه إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعو إنه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية ، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوي ومعاضد كامل ، وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك . والجواب عن السؤال الثاني : أنه إذا جوز الإنسان حصول الكذب على اللّه تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة ، ولا من الوعيد رهبة ، لأن السامع يجوز كونه كذبا . والجواب عن السؤال الثالث : أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو كالأجير المشتغل بالعمل والأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة بكمالها إليه ، لأنه إذا أخذها فإنه لا يجتهد في العمل وأما إذا كان محل أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل ، وأيضا نرى / في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بأنواع الغموم والهموم والأحزان ، وأجهلهم وأفسقهم في اللذات والمسرات ، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى ، ومن حياة أخرى ، ليحصل فيها الجزاء .