فخر الدين الرازي

191

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السماوات والأرض في مدة ، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر ، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام . ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم ، يحصل فيها حدوث العالم ، وذلك يوجب قدم المدة . وجوابه : أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة ، والدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى ، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال ، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم . السؤال الخامس : أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده فالمراد بهذه الآية أيهما . والجواب : الغالب في اللغة أنه يراد باليوم اليوم بليلته . المسألة الثانية : أما قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ففيه مباحث : الأول : أن هذا يوهم كونه تعالى مستقرا على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه ، ولكنا نكتفي هاهنا بعبارة وجيزة فنقول : هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمدا عليه مستقرا عليه ، بحيث لولا العرش لسقط ونزل ، كما أنا إذا قلنا إن فلانا مستو على سريره فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجا إلى العرش ، وإنه لولا العرش لسقط ونزل ، وذلك محال ، لأن المسلمين أطبقوا على أن اللّه تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك للّه تعالى والحافظ له . والثاني : أن قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه ، / وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيرا كان محدثا ، وذلك بالاتفاق باطل . الثالث : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت ، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطربا متحركا ، وكل ذلك من صفات المحدثات . الرابع : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض لأن كلمة ( ثم ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش ، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيا عن العرش ، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على العرش فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة للّه تعالى . المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسما عظيما هو العرش . إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره ؟ فيه قولان : القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني ، أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أنه لما خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها ، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشا ، وبانيه يسمى عارشا ، قال تعالى : وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [ النحل : 68 ] أي يبنون ، وقال في صفة القرية فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ الحج : 45 ] والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] أي بناؤه ، وإنما ذكر اللّه تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة ، فالباني