فخر الدين الرازي

192

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم ، واللّه تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته ، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [ الزخرف : 12 ، 13 ] قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السماوات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا . ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله / سبحانه وتعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [ النازعات : 27 ، 28 ] فذكر أولا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها وكذلك هاهنا ذكر بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها . والقول الثاني : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين : أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية : الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السماوات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السماوات والأرضين بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر وهو أن يكون المراد : ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش . والقول الثالث : أن المراد من العرش الملك ، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ المراد أنه تعالى لما خلق السماوات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك اللّه تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السماوات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف ( ثم ) الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش واللّه أعلم بمراده . المسألة الرابعة : أما قوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من الْأَمْرَ الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السماوات والأرض . فإن قيل : ما موقع هذه الجملة ؟ قلنا : قد دل بكونه خالقا للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويا على العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولا حادث من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة