فخر الدين الرازي

23

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة السابعة : لا شبهة في أن المراد بقوله : بَعْدَ عامِهِمْ هذا السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين ، وهي السنة التاسعة من الهجرة . ثم قال تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً والعيلة الفقر يقال : عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ، والمعنى : إن خفتم فقرا بسبب منع الكفار فسوف يغنيكم اللّه من فضله وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوها : الأول : قال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين ، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم اللّه الحاجة إلى مبايعة الكفار . والثاني : قال الحسن : جعل اللّه ما يوجد من الجرية بدلا من ذلك . وقيل : أغناهم بالفيء . الثالث : قال عكرمة : أنزل اللّه عليهم المطر ، وكثر خيرهم . المسألة الثانية : قوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة ، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر فكان معجزة . ثم قال تعالى : إِنْ شاءَ ولسائل أن يسأل فيقول : الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة ، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود ، وجوابه من وجوه الأول : أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب ، فيكون الإنسان أبدا متضرعا إلى اللّه تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات . الثاني : أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب ، كما في قوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ الفتح : 27 ] الثالث : أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور ، لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [ البقرة : 126 ] وكلمة « من » تفيد التبعيض فقوله تعالى في هذه الآية : إِنْ شاءَ المراء منه ذلك التبعيض . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بأحوالكم ، وحكيم لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب ، واللّه أعلم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 29 ] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) [ في قوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله أُوتُوا الْكِتابَ ] اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم ، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم ، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام ، وأورد الإشكالات التي ذكروها ، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية ، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة ، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا ، أو إلى أن يعطوا الجزية . فالصفة الأولى : أنهم لا يؤمنون بالله . واعلم أن القوم يقولون : نحن نؤمن بالله إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة ، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسما ولا