فخر الدين الرازي

24

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حالا فيه فهو منكر له ، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالا في جسم ، فحينئذ يكون المشبه منكرا لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله . فإن قيل : فاليهود قسمان : منهم مشبهة ، ومنهم موحدة ، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله ، فما قولكم في موحدة اليهود ؟ قلنا : أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية ، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال : لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وأما النصارى : فهم يقولون : بالأب والابن وروح القدس ؛ والحلول والاتحاد ، وكل ذلك ينافي الإلهية . فإن قيل : حاصل الكلام : أن كل من نازع في صفة من صفات اللّه ، كان منكرا لوجود اللّه تعالى ، وحينئذ يلزم أن تقولوا : إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود اللّه تعالى ، لأن أكثرهم مختلفون في صفات اللّه تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافا شديدا في هذا الباب ، فالأشعري أثبت البقاء صفة ، والقاضي أنكره ، وعبد اللَّه بن سعيد أثبت القدم صفة ، والباقون أنكروه ، والقاضي أثبت إدراك الطعوم ، وإدراك الروائح ، وإدراك الحرارة والبرودة ، وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس ، والأستاذ أبو إسحاق أنكره ، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالا سبعة معللة بتلك الصفات ، ونفاة الأحوال أنكروه ، وعبد اللَّه بن سعيد زعم أن كلام اللّه في الأول ما كان أمرا ولا نهيا ولا خبرا ، ثم صار ذلك في الإنزال ، والباقون أنكروه ، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات ، في الأمر ، والنهي ، والخبر ، والاستخبار ، والنداء ، والمشهور أن كلام اللّه تعالى واحد ، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا ؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات اللّه تعالى من هذه الوجوه الكثيرة ، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات اللّه تعالى ، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد . إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجبا إنكار الذات أو لا يوجب ذلك ؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال : إنهم أنكروا الإله ، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان باللَّه ، وأيضا فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى ، وحشوية المسلمين يقولون : إن من قرأ / كلام اللّه فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى ، وكلام اللّه تعالى مع أنه صفة اللّه يدخل في لسان هذا القارئ وفي لسان جميع القراء ، وإذا كتب كلام اللّه في جسم فقد حل كلام اللّه تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى . وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة اللّه في كل إنسان قرأ القرآن ، وفي كل جسم كتب فيه القرآن ، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون باللَّه بهذا السبب ، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون باللَّه ، فهذا تقرير هذا السؤال . والجواب : أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى ، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم ، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى ، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة ، بل في الذات ، فصح في المجسم أنه لا يؤمن باللَّه أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة ، فظهر الفرق . وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية ، فنحن نكفرهم قطعا ،