فخر الدين الرازي

144

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

جعلنا قوله : وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ جاريا مجرى التفسير لقوله : فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ معناه : بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا ، أو بإظهار أضدادها . وقوله : وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ معناه : ما يظره في القيامة من حال الثواب والعقاب . ثم قال : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم عليها ، لأن المجازاة من اللّه تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف . ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم ، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر ، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر . وقال حكماء الإسلام ، المراد من قوله تعالى : فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ الإشارة إلى الثواب الروحاني ، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعا من المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه ، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملا لتلك المشاق ، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها ، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع النفيسة والأموال العظيمة . وأما قوله : وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فالمراد منه تعريف عقاب الخزي والفضيحة . ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي ، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه ، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته ، وهذا نوع من العذاب الروحاني ، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذرا منه . والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل اللّه العصمة منه ومن سائر العذاب . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) [ في قوله تعالى وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة ونافع والكسائي وحفص عن عاصم مرجون بغير همز والباقون بالهمز وهما لغتان . أرجأت الأمر وأرجيته بالهمز وتركه ، إذا أخرته . وسميت المرجئة بهذا الاسم لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة اللّه تعالى . وقال الأوزاعي : لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام : القسم الأول : المنافقون الذين مردوا على النفاق . القسم الثاني : التائبون وهم المرادون بقوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وبين تعالى أنه قبل توبتهم . والقسم الثالث : الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في هذه الآية ، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا الثالث ، أو أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، فقال كعب : أنا أفره أهل المدينة جملا ، فمتى شئت لحقت الرسول ، فتأخر أياما وأيس بعدها من اللحوق به فندم على صنيعه وكذلك صاحباه ، فلما قدم رسول اللّه قيل لكعب اعتذر إليه من صنيعك ، فقال : لا واللّه حتى تنزل توبتي ، وأما صاحباه فاعتذر إليه عليه السلام فقال : « ما خلفكما عني » فقالا : لا عذر لنا إلا الخطيئة فنزل قوله تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ فوقفهم الرسول بعد نزول هذه الآية ونهى الناس عن مجالستهم ، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهاليهن ، فجاءت امرأة هلال تسأل أن تأتيه بطعام فإنه شيخ كبير ، فأذن لها في ذلك خاصة ، وجاء رسول من الشأم إلى كعب يرغبه في