فخر الدين الرازي
145
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللحاق بهم ، فقال كعب : بلغ من خطيئتي أن طمع في المشركون ، قال : فضاقت عليّ الأرض بما رحبت . وبكى هلال بن أمية حتى خيف على بصره ، فلما مضى خمسون يوما نزلت توبتهم بقوله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ [ التوبة : 117 ] وبقوله تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ [ التوبة : 118 ] الآية . وقال الحسن : يعني بقوله : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ قوما من المنافقين أرجأهم رسول اللّه عن حضرته . وقال الأصم : يعني المنافقين وهو مثل قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ أرجأهم اللّه فلم يخبر عنهم ما علمه منهم وحذرهم بهذه الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآنا . فقال اللّه تعالى : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن كلمة « إما » و « أما » للشك ، واللّه تعالى منزه عنه . وجوابه المراد / منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء ، فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم ينزل اللّه تعالى لهم عذرا ، وآخرون يقولون عسى اللّه أن يغفر لهم . المسألة الثانية : لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو وتخلفهم عن الرسول عليه السلام ، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون كافيا في صحة التوبة . فإن قيل : فما تلك الشرائط ؟ قلنا : لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة ، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة ، فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم ، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية ، وعند ذلك صحت توبتهم . المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب ، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين ، وهو إما التعذيب وإما التوبة ، وأما العفو عن الذنب من غير التوبة ، فهو قسم ثالث . فلما أهمل اللّه تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر . والجواب : أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين ، بل نقطع بحصول العفو في الجملة ، وأما في حق كل واحد بعينه ، فذلك مشكوك فيه . ألا ترى أنه تعالى قال : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * فقطع بغفران ما سوى الشرك ، لكن لا في حق كل أحد ، بل في حق من يشاء . فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء ، عدم العفو على الإطلاق . وأيضا فعدم الذكر لا يدل على العدم ، ألا ترى أنه تعالى قال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [ عبس : 38 ، 39 ] وهم المؤمنون وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 40 ، 41 ] فههنا المذكورون ، إما المؤمنون ، وإما الكافرون ، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث ، لم يدل عند الجبائي على نفيه ، فكذا هاهنا . وأما قوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بما في قلوب هؤلاء المؤمنين حكيم فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم .