فخر الدين الرازي

122

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كاف في تقرير البراءة الأصلية ، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس . قال : لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة ، هو عدم الإلزام والتكليف ، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة ، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص ، كان إثباتها بالقياس عبثا . والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصا لعموم هذا النص وأنه لا يجوز ، لما ثبت أن النص أقوى من القياس . قالوا : وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ، معلومة ، ملخصة ، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها ، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحدا من عماله إلى سياسة بلدة ، فقال له : أيها الرجل تكليفي عليك ، وعلى أهل تلك المملكة ، كذا وكذا ، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلا ، ثم قال : وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل ، كان هذا تنصيصا منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة ، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالا ، لأن باب النفي لا نهاية له ، بل كفاه في النفي أن يقول : ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت ، فكذا هاهنا أنه تعالى لما قال : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل ، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف ، أو أقل أو أكثر ، كان ذلك تنصيصا على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور ، وأما فيما وراءه فليس للّه على الخلق تكليف وأمر ونهي ، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة ، ويكون القرآن وافيا ببيان التكاليف والأحكام ، ويكون قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] حقا ، ويصير قوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] حقا ، ولا حاجة البتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلا ، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب . واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء ، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين للّه ورسوله ، وبين كونهم محسنين ، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ، ذكر قسما رابعا من المعذورين ، فقال : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ . فإن قيل : أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ فما الفائدة في إعادته ؟ قلنا : الذين لا يجدون ما ينفقون ، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة ، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة ، إلا أنهم لم يجدوا المركوب ، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها : الأول : قال مجاهد : هم ثلاثة إخوة : معقل ، وسويد ، والنعمان بنو مقرن ، سألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة ، والنعال المخصوفة ، فقال عليه السلام : « لا أجد ما أحملكم عليه » فتولوا وهم يبكون ، والثاني : قال الحسن : نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه ، أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستحملونه ، ووافق ذلك منه غضبا ، فقال عليه السلام : « واللّه ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه » فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأعطاهم خير ذودا ، فقال أبو موسى : ألست حلفت يا رسول اللّه ؟ فقال : « أما أني إن شاء اللّه لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني » .